عن منفاه داخل وطنه العراق يبدأ الدكتور محسن الرملي حديثهُ للعرب، بكثير من القدرة على مواجهة الموت يتذكّر أوّل جثّة لقتيل عسكري رآه في حياته، حين كان عمره ثلاثة عشر عاما ومنذ ذلك الحين توالت رؤيته للجثث والقتلى والقتال إلى أن فرّ من العراق كله، ومنذ خروجه وإلى اليوم لا يتذكر العراق في أحلامه إلا بكوابيس مرعبة يستيقظُ منها مرتعشا متعرقا وأحيانا باكيا كما يقول، ورغم هذه العلاقة الشائكة مع "الوطن" لا يعرف ضيفنا إلى لحظة هذا الحوار لمَ يحب العراق كل هذا الحب شاعرا بانتمائه العميق له رغمَ كل المآسي التي مرّ بها.

1 - بين الشخصي والعام:

محسن الرملي كاتب وأكاديمي وشاعر عراقي يقيم في أسبانيا، ولد في سُديرة شمال العراق عام 1967، عاش مراحلَه الأولى في أرض الرافدين قبل أن يخطفه المنفى القسري، ليحطّ رحاله على الضفّة الأخرى للمتوسّط، ويتابع دراسته الأكاديمية في جامعة مدريد حاصلا على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف في الفلسفة والآداب، صدرت له العديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية والأعمال الأدبية التي تمّت ترجمتها إلى عدّة لغات أهمّها الإنكليزية والأسبانية.

استوقفني بداية أنّ ضيفنا كان في عقده الثاني قائد دبّابة خلال خدمته الإلزامية التي استمرت ثلاث سنوات متواصلة، يصفها اليوم بالأعوام الكابوسيّة، لأنّه اتّخذ قرارا في عقله الباطن بعدم الاشتراك في جولات القتال، لن يؤذي أحدا حتى لو كان عصفورا، يتابع ضيفنا الذي يُقرّ اليوم بأنّه هرب ليلا حين اشتدت المعركة وجاء أمر الهجوم، لقناعته بأخذ مكان القتيل بدل القاتل، قضى تلك السنوات الثلاث -بعد العفو الذي صدر عن الهاربين- بكثير من الانضباط القهري، تحت سطوة الرقابة الأمنيّة للمخبر السرّي، نظرا لكونه شقيق الكاتب حسن مطلق، الذي حكم بالإعدام تحت مظلّة الاتّهام بمحاولة قلب نظام الحُكم، سنوات طويلة مرّت اليوم على تلك الأحداث التي انشغل الرملي فيها بالحفاظ على ذاته الإنسانية كأديب، فأسلم جسده للخدمة العسكرية واحتفظ بروحه له، كما يقول: "فنجت الروح وحين انتهت خدمة الجسد وتحرر من عبوديته أخذته معها وخرجنا من البلد نهائيا، كان ذلك عام 1993". محسن الرملي يكتب تاريخ المكان وتاريخه الشخصي لأن الأدب عنده متداخل مع التأريخ والتوثيق والخيال والواقع.

تاريخه الشخصي دفعني إلى سؤاله عن شخصياته الروائية التي يبثّ فيها بعضا منه، أو من سيرته بشكل أدق، ليعترف أنّه يفعل ذلك بل هي -شخصياته- في مجموعها تشكّله هو في كلّه، يذهب بعيدا هنا ليقول إنّ الشخصيات التي يلتقطها من الواقع تعيش في النص متغذّية من وقته وذهنه ومشاعرِه وذاكرته وتفكيره، الأساس في الكتابة عند أستاذ الأدب والفلسفة هو الصدق ممّا يعني أنّ كلّ ما يكتبه هو محسن الرملي بذاكرته حتى لو كان خياليا فهو في النهاية خياله هو أيضا!

يمرّر ضيفنا في كثير من أعماله الروائية، تاريخ المكان وتاريخه الشخصي -ربما- لأنّ الأدب عنده متداخل مع التأريخ والتوثيق والخيال والواقع على حدّ سواء، الأدب كما يراه قادر على استيعاب واحتواء كل ذلك بتداخلاته لأنّه المرجع الأفضل للتاريخ لاهتمامه بما هو أبعد من مجرّد الوقائع والأرقام والماديّات، إنّهُ يكشف عن دواخل الإنسان وهمومه وأحلامه وأفكاره وكل ما يتعلّق بمشاعره وعقله.

الأدب عند محسن الرملي يقدّم فهما عميقا للواقع لأن ما نسميه بالواقع هو في حقيقته نتاج التفكير والفعل البشري وما يخلقه من ظروف وعلاقات تمس الإنسان في كل ما يتعلق بحياته، وفي المقابل إن مادة وهدف الأدب هو الإنسان ومحاولة فهم الإنسان لنفسه أكثر، مما يعني بالتالي -حسب ضيفنا- أنّ الأدب يقدم خدمة عظيمة وعميقة لفهم هذا الواقع. يضرب هنا مثلا عن كل الأعمال الأدبية العظيمة التي كانت مفاتيح لفهم الواقع في عصرها بما فيها تلك الأعمال التي يعتبرها البعض خيالية كألف ليلة وليلة والدون كيخوتــه ومئة عام من العزلة وغيرها.

2 - الكلمة والوعي:

فهم ضيفنا الخاص للأدب ووظيفته دفعني إلى سؤاله عن تكوّن الخطاب الروائي عنده باعتباره حاملا لكل المضامين الأخرى في النص، ليقول إنّه يتكوّن عندما يشعر بأن هناك شيئا ما يريد أن يقوله، ودون قوله سيبقى يشعر بالقلق والضيق والاختناق، وعلى الرغم من أن همّه الرئيس هو همّ وجودي إنسانيّ مرتبط بأسئلة الموت ومعنى الحياة، إلا أنّه يقدّم من خلال ما عرفه في تجربته وهمومه الشخصية وهنا تبرز هموم العراق والإنسان العراقي في المقدمة، تأتي من الوجع عادة وتحاول تصويره والتعبير عنه وبالتالي تكوين رؤية وفهم معينين له. يعترف ضيفنا بأنّه كثيرا ما تُؤلِمه أوجاع الآخرين أكثر من وجعه الخاص فتتحول بالتالي إلى كونها وجعه هوَ أيضا.

"أكره الظلم وأحب الانتصار للطيبة والجمال" هكذا يصف الرملي روحه قبل أن يتابع الحديث عن الشرق حيث تشكّلت الكلمة الأولى والأبجدية الأولى فمثلما أن أسباب سفك الدماء كلمات تغسل العقول دافعة إياها نحو العنف والظلامية والشر، فإن الكلمة التي تدعو إلى الوعي والخير والحق والجمال -عنده- أيضا قادرة على التأثير الفاعل في هذه المواجهة، بل إنّ دورها الآن أكبر. فكلّ صراع تطوّر بالأيدي إلا وكان ذلك في بدايته صراعا بالكلمات، الإنسان عند الرملي قرين الكلمة وبالكلمة تطوّر وبالكلمة حرّض على القتل وبالكلمة قتل لذا فبالكلمة أيضا يمكن إيقاف نزيف الدم وإحلال السلام وتهدئة النفوس وإشاعة الحب والأمل والجمال.

حياته الطويلة في الغرب، دفعتني إلى سؤاله عن الجمهور الغربي ومدى قدرته على قبول الأدب العربي -مؤخرا- بصيغة غير مضامين الحرب والقتل والتهجير. ليقول "إنّ الجمهور الغربي منفتح على كل شيء بشرط أن يُقدَّم له بصيغ إبداعية حقيقة مقنعة، وليس صحيحا أنهم فقط يتقبلون منا مواضيع الإرهاب والحريم وما إلى ذلك، فهم بشر مثلنا ويهمّهم كلّ ما يهمّ أيّ إنسان في أيّ مكان. إنهم يقرأون للياباني والأفريقي والهندي والصيني ومن شتى الثقافات والمضامين ولا يوجد ما يمنعهم من قراءة الأدب العربي الذي صار يشكل لهم أكثر إغراء الآن بحكم المخاض والتحوّلات التي تعيشها الشعوب العربية، فالأدب الإنساني الحقيقي سيفرض نفسه بغض النظر عن جنسية ولغة كاتبه".

  بقلم : عبد الله مكسور