أن يحيا، هذه هي المهنة التي أريد تعليمها له.

"جون جاك روسو " - إميل- مما لاشك فيه أن المرء لا يصيرا إنسانا إلا بالتربية وأن الفلسفة هي أحسن المسالك المعرفية الممكنة في سبيل تحصيل تربية ناجحة ومتكاملة ترتقي بالإنسان من دائرة التبعية والقصور والوصاية، إلى حالة الاستقلالية والترشد والحرية وتجعله ينمي في ذاته ملكة قابلية الاكتمال. وأن فلسفة التربية هي مركز الثقل في أي مشروع من هذا القبيل بحيث لا معنى للتربية ولا قيمة للفلسفة إذا لم يجتمعا عند هذه النقطة، ويتقابلا عند تمفصل الطبيعة والثقافة والعتبة الفاصلة و الواصلة بين الايديولوجيا والعلم. على هذا النحو ارتبط التعليم بالتكوين والتأديب وتعلقت التربية البشرية بتعلم الفلسفة وتعليمها وحب الحكمة النظرية والالتزام بالحكمة العملية وظهرت فلسفة التربية كثمرة لهذا التواشج.

 غير أن التربية على حب العلوم واحترام مدربيها ومتعلميها والتلهف على نظرياتها والرغبة في معانيها، قد عرفتها البشرية منذ القدم وشهدت عدة تحولات ومر بعدة رؤى وتصورات. وربما الصورة التقليدية للفلسفة وسطوة الفكر الديداكتيكي العلمي الذي احتل الرُّكح التربوي في الآونة الأخيرة قد حجب الرؤية عن التفلسف الإنساني ومنعه من النظر في طرق اكتساب الصناعة الفلسفية والتعامل مع فلسفة التربية بأسلوب فيه الكثير من الاستهزاء والتسرع.

  لقد كانت فلسفة التربية ولا تزال تقدم خطابا حيا ومفيدا بالنسبة إلى الفضاء العمومي، وتساهم في ترشيد البشر نحو القيم الضرورية للاجتماع والتآنس والمعايير والمعالم الحضارية. لقد كانت التربية مع أفلاطون وأرسطو والفارابي وابن خلدون وروسو وديكارت وكانط وهيجل موضوعا من مواضيع التفكير الفلسفي ولقد حرص الفكر العقلاني على الاهتمام به بشكل مجرد ومن الداخل إلى جانب بقية العناصر التكوينية للفلسفة ووفق منهجيته ومفاهيمه ولغته ولم ينظر إليه كموضوع خارجي له استقلالية ومفردات ومناهج تخصه. وكان رهان التربية وفق هذا النمط استكمال شروط التفكير حول الإنسان وجعل المعرفة في خدمة السعي البشري نحو التغلب على التناهي والأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الأخلاقية والسياسية للإنسان.

 المنعرج البيداغوجي حصل في نهاية القرن التاسع عشر، حينما أنهت العلوم الصحيحة والطبيعية استقلالها عن الفلسفة وبدأت العلوم الاجتماعية والإنسانية في التشكل والتموضع، وترتب عن ذلك نشأة علوم التربية كإختصاص مستقل وبدأ البعض يتحدث عن تعلمية فلسفية مغايرة لما تركه الفلاسفة من طرق، وصار التعليم موضوعا مفضلا للبحث العلمي وظهرت الدراسة الكمية الحسابية وما أنتجته من إحصاء ورسوم بيانية وأرقام ومعدلات ونسب وطبق كذلك المنهاج التجريبي وصار ت البرامج عرضة للتجريب والاختبار والتثبت والتبديل.

 غير أن هذه الطفرة البيداغوجية اتضح عقمها وضررها على التعليم وعلى الفلسفة في الآن نفسه، وبدأ التفكر النقدي والفكر المختلف ينادي بالتخلص من هذه العطالة التربوية والتصحر التعليمي ويبحث عن طوق النجاة بالنسبة إلى هذا المجال الحيوي والاختصاص النفيس والذي يتدخل في تشكيل هوية المرء ويحدد طبيعة المصير الذي ينتظر المجتمع والطبيعة والحياة. فهل تحل نظريات التعلم وتقنيات التكوين وإيصال المعلومة وهندسة البيداغوجيا المشكلة؟ إذا ما قام الفكر الفلسفي الحاذق بتشخيص المشهد التربوي ووضعية التعليم في بداية القرن الواحد والعشرين يصطدم بعدة صعوبات، فإنه يلاحظ بشكل فوري وجود انهيار تام في المنظومة التربوية ويتوقف عند حدوث أزمة هيكلية عبر عنها إدغار موران بالثقوب السوداء.

 فماهي أسباب هذه الأزمة البنيوية؟ وهل هناك عوائق ابستيمولوجية منعت هذا الاختصاص من النمو والتطور وعطلته عن لعب دوره المعرفي والأخلاقي والفلسفي؟لقد مست الأزمة المضامين والبرامج التي تطرحها المؤسسة للتعليم وأيضا القيم والمبادئ والأهداف التي تسعى إلى ترسيخها في ذهن المتعلم وفي واقع الحياة اليومية والاجتماعية. كما طال الارتداد المناهج البحثية والأدوات الاتصالية والأسانيد البيداغوجية والأساليب التعلمية، وأصبحت تقتضي تفجير ثورة في مجال المناهج وإدخال العديد من التقنيات الرقمية.

 إن أسباب تردي المنظومة التربية على مستوى القيمة العلمية للشواهد وعلى مستوى التكوين المعرفي للمتعلمين وعلى مستوى التوازن النفسي والملكات التربوية والأخلاقية للمتخرجين، راجع إلى الوقوع في النظرة التجزيئية للمسائل وكثرة التخصصات والتشتت المنهجي والعناية بالفروع على حساب الأصول والشكليات على حساب المضامين والتركيز على المهننة الاجتماعية والإنتفاعية المادية والقيمة الأداتية للبرامج والتكلم بلغة الأرقام والحساب وتبني نظرة تقنية في معالجة المشاكل المطروحة والتواكل عن تبني مشروع تربوي متكامل وإهمال الشرط البشري والنظرة الشاملة وغياب الأفكار التوجيهية الناظمة والفكر المعقد.

 إن الأفق المعرفي والوجودي للمنظومة التربوية التي يحتاجها العرب اليوم في زمن تفجر الثورة، هو مغاير تماما لمنطق السوق والبرغماتية واليوتوبيا الليبرالية التي تعد بمجتمع الوفرة واقتصاد الاستهلاك ودولة الرفاه وتبشر بضمان التعليم والنجاح والشغل للجميع. إن المنظومة التربوية التي تخصنا تحتاج إلى ثورة وإعادة بناء من جديد وليس القيام بإصلاحات ترقيعية، وأن العمل يجب أن يبدأ من المراحل الأولى في مستوى متدني حتى يتم إنقاذ الناشئة من الضياع الروحي والإنبتات الوجودي والتصحر الأخلاقي والفراغ القيمي. وأول الخطوات المزمع القيام بها، هي الكف الفوري والعاجل عن تعليم المعارف الأساسية والمواد الدراسية في شكل اختصاصات مفصولة بعضها عن بعض والاهتمام بالجذع المشترك لمدة أطول والتركيز على الروح الموسوعية وإيجاد تصالحات بين الآداب والعلوم وبين إتقان اللغات واتيقا التفكير وبين الحفظ والتعبير وبين القراءة والكتابة والترفيه والإنتاج.

 أهم نقطة ينبغي أن تبتعد عنها المدرسة في مستوى آليات العمل، هو الابتعاد عن ضبط برنامج رسمي وتقسيمه إلى مجموعة من المحاور والدروس والحرص على التقيد به وتطبيقه بشكل صارم؛ واستبدال ذلك بمرونة أكبر في اختيار المواد وحرية للمدرس. على خلاف الطريقة العقيمة التي تحرص على وضع وتحديد البرنامج مرة واحدة وبصفة نهائية ليطبق بحذافيره ويتعلق الأمر بآليات يتم حصرُها في مجال نتحكم فيه، فإن الطريقة الثورية تؤمن بالحرية في التعليم وتترك مجالا متحركا للفعل والإضافة والمبادرة، وتجعل "خطة العمل مرنة لإدماج المعلومات والمعطيات بحسب الشروط والمفاجئات والطوارئ ."لا ينبغي أن تكون المدرسة مجرد مؤسسة تنشغل بتكوين الحرفيين وتأهيل المهنيين والمتخصصين من الموظفين الذين يعسر إيجاد مواطن شغل لهم في مجتمع إقتصاده غير منتج وغير مزدهر؛ وإنما يجب أن تتحول إلى منارة علمية وفضاء تربوي يحمل الثقافة الوطنية في أحشائه ويحميها من الإرتداد ويدافع على قيمها الكونية وأفكارها التقدمية ويجمع بين عدة نشاطات ويربط بين التثقيف والتكوين والتهذيب ويدمج الإبداعات الشبابية في الحاضر ويصلها بمحيطها الثقافي والاجتماعي والعلمي ويعرفها بتراث الماضي الحي ويصالحها مع التقاليد والأصالة والذاكرة الجماعية ويفتحها إستشرافيا على المستقبل.

  إن مهمة المدرسة لا تتمثل في تدريب المرء على اكتساب مهنة، وإنما في تمكينه من اكتساب أسلوب في الحياة، وأن يحسن التصرف في المواقف الصعبة ويميز بين الحسن والقبيح ويقدر على الحكم على الأشياء والتأثير في الأشخاص بطريقة جيدة وصائبة، وذلك بأن يندمج في المجتمع ويطور قدراته وتكون علاقاته بالمعارف والخبرات علاقة إبداعية وليس استهلاكية. زد على ذلك يجب على المدرسة أن تعلم المرء طلب المعرفة وتقوم بتنسيبها حتى يعرف أنها خاضعة لمنطق الهدم والبناء ويسعى إلى اكتسابها بنفسه ويهدم في ذاته كل يقين وكل صنم ويتعلم الشروط المولدة للمعرفة والوسائل التي تمنعه من الوقوع في الوهم والاستيلاب. كما ينبغي أن يدرك المرء أهمية الأفكار والنظريات والمفاهيم بالمقارنة مع الإدراكات المباشرة والانطباعات الأولى والآراء الجاهزة، وأن يعشق فن التفكير ويُكَوِّنُ أفكاره بعقله وينتقل إلى فعل التفكير ويقيم علاقة جدلية مع قناعاته ويكتسب وعيا بالتاريخ والزمان.

 يجب أن تتفادى المدرسة السطحية والتبسيط والسهولة وأن تتفادى أسلوب التلخيص والشرح الموجز والتلقين وما ينتج عنه من ابتذال وتقليص لمساحة الذهن والذكاء والاجتهاد، وتذهب بعيدا وتتعمد التعقيد والتعمق والترميز والأشكلة والتكثيف ولكن يجب أن يرافق ذلك تنظيم دقيق للمسائل والمعارف والمعطيات قصد استيعابها وإدماجها وتأطيرها ووضعها في سياقها وهضمها وتجاوزها نحو ولادة أشياء جديدة، وينبغي تسديد المعارف نحو معلومات وجيهة واستخلاص النتائج التربوية منها وتصور المشاكل الأساسية والشاملة المترتبة عنها وتسديد هذه المعلومات المنظمة نحو الابتكار والخلق وتحقيق المنفعة والفائدة والمصلحة.

  المطلوب من المؤسسة التربوية أن تعتني عناية خاصة بالشرط الإنساني، وأن تضع نصب عينها احترام الكرامة الآدمية وتعمل على تحقيق إنسانية الإنسان وتعترف بتعقد طبيعته وتكوينه وغموض حياته ومآله وحالة التجاذب التي يعيشها بين الحرية والتبعية وبين العقل والانفعال. إذ لا يوجد مكان آخر في العالم يدرس فيه الإنسان عن الإنسان بوصفه كائنا بشريا غير الفضاء التربوي الذي تختلط فيه الذات الدارسة بالموضوع المدروس ويكون فيه الإنسان عالما ومتعلما وباثا ومتقبلا في الآن نفسه وينفرد فيه عن بقية الكائنات بالوعي والبعد الرمزي والدين والتقنية والثقافة واللغة وبالتساؤل عن مصدره وقدره ومصيره.

  إن المدرسة ليست مجالا لتغذية النزاعات السياسية ولا مصدر انفلاتات في المجتمع وأصل التوتر الإيديولوجي ولا مخبر لصناعة الإشاعات المغرضة والأقاويل الهدامة والتجاذبات بين القوى المتصارعة والأحزاب المتنافسة، وإنما هي حاضنة للجميع ومكان للألفة والصداقة والتحابب والتآخي؛ لأن ما يجمع بين الطلاب هو الكد وراء العلم والمعرفة وطلب الحق والعمل به. ولذلك يجب أن تتحول إلى ساحة حوار وتواصل وفضاء للنقاش من أجل إزالة كل أشكال سوء التفاهم في المجتمع وإجراء تفاوضات علمية وتعاقدات معرفية تعتمد على الحجاج العقلاني والفهم الموضوعي وتصل إلى تفاهمات متينة وتوافقات أخلاقية واعدة.

  علاوة على ذلك ينبغي أن تركز المدرسة على نقد التمركز على الذات وتحارب النزعة الفردية وتفكك مشاعر الأنانية والميولات نحو العزلة والانطواء التي تظهر على الناشئة، وأن تشجعهم على نكران الذات وتجاوز اللامبالاة تجاه معاناة الناس والإحساس بالمسؤولية والتعاطف مع المحتاج والمظلوم والوجود مع الغير والانفتاح على الآخر وتفضيل الحياة الاجتماعية والعمل المشترك والتضحية من أجل المجموعة وتقديس الوطنية والإيثار والفداء.

  أمّا المجال الآخر الذي يجدر بالمدرسة الاهتمام به على مستوى المضمون، فيتعلق بالمواد التي تنتمي إلى ماضي العلم ولم تعد ذات قيمة ولا تمتلك مشروعية وجود فإن الأحسن هو التخلي عنها وإكرامها بدفنها في سلة المهملات ووضعها في أرشيف التاريخ والتوجه نحو تدريس النظريات المبتكرة ومواكبة التطور وردم الفجوة الرقمية واللحاق بالأمم المتقدمة. غير أن أهم تحدي يواجه منظومتنا التربوية، هو قدرتها على ضمان الجودة ومنافسة المنظومات التربوية العصرية، فهل يكون التركيز على القيم الكونية وما يتفرع عن ذلك من تشجيع روح الابتكار ومداهمة اللّايقين لليقين والنزعة النقدية لروح الاعتقاد هو الطريق الذي يؤدي بها إلى العالمية؟ أليست مهمة التربية هي أكثر بكثير من تكوين مهنيين وتخريج موظفين؟ ومتى تنهض التربية بحاجات الإنسان والمجتمع والعالم؟ وكيف يعيد التعليم الرونق إلى الثقافة والفنون والفلسفة؟ وألاّ يحتاج العرب في الزمن الثوري إلى فلسفة في التربية...؟.

بقلم : زهير الخويلدي

أضف تعليق


كود امني
تحديث