هذه الأيــام؛ نجد الكثير من الأدباء لا يقرأون ويتباهون بذلك، بعض النقاد لا يقرأون الكتب التي يناقشونها خلال الندوات والأمسيات، وبعضهم يقرأ في دائرة ضيقة جداً تخص أصدقاءه ومعارفه، حتى الجمهور .. قطاع كبير منه يشترى الكتب من معارض الكتب ليحظى بتوقيع المؤلف عليها قبل أن يضعها إلى جوار كتب أخرى في مكتبة وُضعت في مكان مميز بالمنزل كقطعة ديكور مميزة. فـهــل بتنا نعيش في زمن «أمية الثقافة»؟، هل تحولت عملية شراء الكتب لقراءتها والاستمتاع بها والاستفادة منها إلى ما يشبه إقتناء التحف وهواية جمع الطوابع؟، كيف سيكون شكل الأدب إذا تمادت وانتشرت أكثر ظاهرة الكتّاب الذين يكتبون ولا يقرأون؟، «ثقافة اليمامة» استطلعت آراء عدد من النقاد والأدباء العرب حول الموضوع، في محاولة لفهم أعمق لهذه الظاهرة.
 
* ثقافة السوشيال ميديا:
  في البداية؛ يقول «د. إبراهيم أحمد ملحم»، مدرس الأدب العربي والنقد بجامعة الإمارات العربية المتحدة: «إن ما يحصل عليه الفرد من ثقافة عبر التكنولوجيا الذكية والتي تتمثل بما يتوافر عليه هاتفه النقال من انتماء إلى مجتمع افتراضي معين كالفيسبوك وتويتر وإنستغرام وغيرهم، هى مجرد ثقافة رقمية، توفر للفرد التواصل اللحظي بأفراد هذه المجتمعات في قائمة أصدقائه ومتابعيه، ولهذه الثقافة مظاهرها، منها أنها سطحية، بمعنى أنها غير خاضعة للبحث العلمي، ومصدرها غالبًا ما يكون غير موثوق، إضافة إلى إيراد الأفكار غير مدعمة بالأدلة والبراهين، وإيراد المعلومات غير منسوبة إلى مصادرها، ثانيا أنها متناثرة بمعنى أنها تُلتقط من هنا وهناك، وتكون مجتزأة من أماكن مختلفة أملتها طبيعة الثقافة التي تميل إلى الاختصار في نقل المعلومة، وقد أفضى هذا التناثر إلى الوقوع في كثير من الأحيان في التضارب والتناقض، نجد أيضا أنها تتميز بالمحدودية، لكون القارئ غير معني بالتعمق في البحث، بل بالحصول على المعلومة كيفما كانت».
 
  ويتساءل متابعاً: «ما الوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه الثقافة، فأفرز مثل هذه المظاهر، ومهَّـد لاستساغتها، وأدى إلى شيوع ما يُسمَّى بالإعلام الجديد الذي يُقدم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بقنواتها المختلفة؟.. إنني أرى أن توجيه الاهتمام إلى الكتاب الإلكتروني وهجر الكتاب الورقي، هو ما فرض فجوة ثقافية عن الاتصال بحاضر الثقافة؛ لأن الكتاب الإلكتروني يكون في نطاق ما يريده القارئ من معلومة سريعة وخاطفة، أيضا تحول معارض الكتب إلى تظاهرة ثقافية ذات أنشطة مرافقة لعرض الكتاب؛ حيث تكون جاذبة للزائرين، ونجاحها في استقطاب الأفراد ليس شرطًـا أن يعني أن كل كتاب يُشترى سوف يُقرأ؛ فغالبًـا ما يتحول الكتاب وبخاصة الأكاديمي إلى تركة محفوظة في الخزائن الحائطية، لتوحي بأن الفرد يحظى بنصيب وافر من الثقافة، إذ أن الإعلام الجديد، ومشاغل الحياة، وتسارع وتيرتها، وما فرضته العولمة من ثقافة، كل ذلك يوجه إلى هذه النتيجة المؤسفة.
 
  أيضا التحرُّك الملحوظ نحو الأنشطة الثقافية ليس بهدف الإفادة ممن يحييها، أو الجهات التي تتيحها، فغالبًـا ما يكون بهدف التقاط صورة توضع في أحد مواقع التواصل الاجتماعي؛ ليتفاعل معها أصدقاؤه في هذه المجتمعات، أو حتى أن يكون ضمن صورة أو فيديو، ولعل أكثر ما يحدث ذلك في حفل توقيع الكتب، وفي المحاضرات الثقافية التي تلقيها شخصية معروفة تُغطي فعالياتها كاميرا التلفزيون»، ويختتم حديثه بتساؤل آخر وهو: «إلى أين تسير هذه الثقافة الرقمية؟، من المؤكد أن الإجابة يحددها المستقبل، ولكن إمكانية التنبؤ بها اعتمادًا على ما سبق، تؤكد أن الثقافة الرقمية تحث الخطى نحو مستقبل ضبابي حيث إننا سنكون أمام ثقافة يمتلك الفرد منها نصيبًـا ضئيلاً من كل شيء تقريبًـا، وليست لديه الدراية الكافية عن تناقضاتها، ومغلوطيتها، وأمام ثقافة تعنى بالقشور البراقة، أكثر مما تعنى بالمحتوى الثري الذي ينبغي أن يكون جديرًا بمكان يليق به من الذاكرة».
* القراءة وملهيات الحياة:
  «د. أحمد الهلالي» الكاتب والمشرف العام على إدارة الشؤون الثقافية بجامعة الطائف، يقول: «قضية القراءة أصبحت قضية مؤرقة
للعالم أجمع، فنحن أمام عنصرين متناقضين، الأول: سهولة الحصول على المصادر القرائية، فأبعد مصدر يتوفر في دقائق معدودة، والثاني: ازدحام أوقات الناس وانشغالهم بعدد لا حصر له من الملهيات، وحركية هذين العنصرين المتضادة ولدت ردود أفعال متباينة، منها (التسويف)؛ إذ يعمد الإنسان إلى الحصول على مصادر قرائية مختلفة يخزنها في مكتبته الورقية أو الإلكترونية على أمل القراءة في وقت فراغه، لكن هذا الفعل يتحول إلى تسويف طويل الأمد، والإنسان منهمك في ملهياته الكثيرة، سواء أكانت الملهيات العملية أم الأسرية أم الاجتماعية، أم ملهيات التواصل الرقمي مع الآخرين التي باتت تسيطر على الكثيرين».
 
  ويضيف: «وهذا يتسبب في الابتعاد عن القراءة بالكلية، والإعراض عن جمع مصادر القراءة، فالكثيرون لا يرون في نفق الملهيات بصيص أمل لفراغ يمكنهم من ممارسة الفعل القرائي، فاكتفوا بما قرؤوا سابقا وانطلقوا في عوالمهم المختلفة، يُضاف إلى ذلك إقبال بعض القراء النهم على القراءة، لكنهم في ذات الوقت يبتعدون عن ممارسة الحياة العامة في جل مظاهرها، ويظل فعلهم القرائي مقصورا عليهم ولا يمتد أثره إلى الآخرين، وآخر صنف هو الصنف المتزن الذي يقرأ ويتفاعل وينقل تأثيراته القرائية إلى من حوله، وهذا النوع الرائع ليس كثير السواد للأسف». ويتابع: «القراءة كأي مجال آخر، تجد دخلاء عليها ومرائين متباهين، كل همهم (الاستعراض الأجوف) فيقتني أحدهم الكتب، أو يصور أغلفتها ويكتفي بعرضها على حساباته الإلكترونية، وهذا فعل بشري طبيعي إذا علمنا ما يعتري النفس الإنسانية من عوارض صحية وعلل، تجعل المرء يلجأ إلى التباهي بما لا يملك تعويضا للشعور بالنقص الذي يسيطر على ذاته، ولكن هذه الفئة أيضا قليلة ولله الحمد».
 
  وفيما يخص عزوف الأديب أو المثقف عن القراءة، يقول: «هذا الفعل الخاطئ يؤثر على حركية الأدب والنقد، وحتما سيصبح الأديب جامدا لأنه مخزونه الفكري سينفد، وسيجد نفسه ينساق دون وعي إلى التكرار، أو الجمود على مواقف معينة، فالقراءة محك حقيقي للأفكار، ومحرض رئيس للكتابة والتجدد الفكري، وأس مهم وفاعل في صقل أفكار المثقف وتعميقها، ولو توسع فعل الإعراض عن القراءة بين المثقفين سيغيب الفعل النقدي للنتاج الفكري والأدبي، وغياب الفعل النقدي الرصين سينعكس على النتاجات الإبداعية والفكرية، وستعاني حتما من الهشاشة والضحالة والتكرار، وهذا ما عانى منه الأدب العربي فيما يسمى بـ (عصور الانحطاط)، ونأمل ألا نصل إليه في عالمنا العربي الذي يعاني أزمات شتى، أهمها أزمات الثقافة والوعي».
* حالة فوضوية:
  القاصة الأردنية «حنان بيروتي» تقول: «ثمة حالةٌ من الفوضى تعتري المشهد الثقافي، حتى باتت الثقافة بحاجةٍ لإعادة تعريف؛ فمصادرُ المعرفة أصبحت متشعبّة، وهناك سيلٌ تكنولوجي ملونٌ من الصور والكلمات والأخبار، تسرق انتباه ووقت المتلقي، وتزخم ذاكرته، وتنهش بجسد الكتاب الورقي، وفي المقابل ثمة يبابٌ معرفي وضحالة فكرية، وزخم إبداعي غير صحي، وتراجع في ضرورة إرتكاز المثقف على أساس متين من المخزون المعرفي المتجدد بالقراءة الجادة بصفتِها منهجًا يؤكّد دوره وفاعليته، فمشكلةُ العزوف عن القراءةِ أو شحّها موجودةٌ بصورةٍ بدَهية لدى قطاعٍ كبيرٍ من المُتلقين؛ فاللجوءُ للقراءة الجادةِ يقتصرُ على فئةٍ معينة ممن أيقظوا روحَ المعرفة في داخلهم، لكنّها باتت تتسلل كالعدوى المقيتة إلى أوساط المُثقفين، بحيث أصبح المثقّف يتنصل من واجبِه في القراءة الجادة للتطوير والتقييم والإطلاع على التجارب الإبداعية، قديمها وجديدها، فحصتُه من المتابعة لما يستجدّ على الساحة الثقافية شحيحةٌ وتكاد تكون معدومة».
 
  وتضيف: «لا تحرِّك من صفحة المشهد الثقافي الراكد إلا خبر صدور خجول أو موجة من الإعجابات في صفحاتِ التواصل الإجتماعي لكن الحالة باتت مرضية تحتاج إلى تشخيص، فما معنى أن يحصر الكاتب أو الناقد اهتمامه في دائرة ضيقة؟، ويتم تهميش تجارب إبداعية تستحقُ المتابعة كون أصحابها لا يمتلكون أدوات نسج شبكة العلاقات الإجتماعية النفعية، أليس الأمر دافعًا لحالةٍ من اليأس واللاجدوى التي لا نتمنى الوصول إليها؟!، أيضا الصحافة الثقافية تعاني من أزمة حقيقية، فبعضها يتناقل أخبار الإصدرات الجديدة دون إطلاع أو قراءة لها، وثمة كتّاب يعدّون بأنفسِهم خبر صدور مولَّفاتهم وأنشطتهم الثقافية، وتتناقلها المواقع الإلكترونية والصحف، وهذا أكبر دليل على شحّ القراءة والمتابعة الجيدة للمشهد الثقافي، يبدو أن الثقافة قد انحدرت من عرشها الماسي لتصبح مظهرًا ووجاهة اجتماعية ولم تعد جوهرا وقيمة ودورا فاعلا يستندُ على أرضٍ صلبة».
 
* أمية ثقافية:
  من زاوية أخرى يرى «د. أحمد الرحاحلة»، أستاذ الأدب والنقد الحديث المشارك في جامعة البلقاء التطبيقية بالأردن، أننا نعاين صورة من صور الأمية الثقافية، ومظهرا من مظاهر التراجع الفكري التي لم يعد مفاجئا معها أن نجد أديبا لم يسمع ببعض الأعمال الأدبية، أو ناقدا متخصصا لم يكلف نفسه عناء قراءة إصدار جديد يقع ضمن حقل اختصاصه، أو قارئا بالكاد يحفظ عناوين الأعمال الأدبية التي يقتنيها من هنا وهناك أو يقرأ عنها، ويضيف الرحاحلة:
 
  «الأمر قد يبدو حالة طبيعية تنتشر في كل زمان ومكان، إلا أن ما يجعله اليوم جديرا بالمتابعة والاهتمام أنه قد تحول عربيا إلى ظاهرة متفشية، لم تعد آثارها محدودة أو هامشية، ولا يخفى على كل مسكون بهمّ الثقافة والأدب أن الحالة العربية تشهد تراجعا واضحا في نوعية الإبداعات الأدبية والاشتغالات النقدية المصاحبة لها، على الرغم من الزيادة المطردة في الإنتاج الأدبي، لكن دائرة القراءة بصورة عامة تراجعت لدى الأدباء والمثقفين والجماهير إلى مستويات متدنية، وباتت محكومة في كثير من الأحيان باختيارات لا صلة لها بالثقافة، بل كثيرا ما تمثل حالة من النخبوية الضيقة، أو ضمن شبكة الاختيارات التي تحكمها العلاقات الشخصية، والمصالح المؤقتة، أو استحقاقات العمل والوظيفة».
 
  ويتابع: «محاولة التشخيص الأولية لأسباب الحالة تكشف أن من أسبابها الأساسية استشراء ظاهرة أنصاف الأدباء، وأشباه النقاد، الذين قد يكون الإعراض عن قراءة ما يلقونه به إلى دور النشر، أو يستعرضونه في الندوات والملتقيات له ما يسوغه في أحيان كثيرة، ناهيك عن غياب المعايير الجادة التي تحكم عمل الهيئات الأدبية والروابط الثقافية، إلى جانب انغماس القراء في اهتمامات بعيدة عن الأدب والثقافة، والميل إلى قضاء الشطر الأكبر من أوقاتهم مع وسائل الترفيه والتسلية التي لا تجعل لديهم وقتا كافيا للقراءة أو المتابعة إلا في حدود ضيقة».
تحقيق: أحمد الغـر