سألت مجلة ساينتفيك الأمريكان خبراء مختصين في تعليم العلوم عن طرق عملية موثوقة لتحسين تعليم العلوم والرياضيات في المدارس العامة. وفيما يلي إجاباتهم:

1 - الاستعاضة عن طريقة الاستظهار بالاستكشاف والإبداع.

 هذا ما أكده أمين السر التنفيذي للرابطة الوطنية من أجل البحث في تعليم العلوم، ويقول: إن الطريقة التقليدية لتدريس العلوم تمر بثلاث خطوات: أولا، يعتمد المعلمون في تقديم المصطلحات والمفاهيم الجديدة على قراءة الكتب المدرسية والمحاضرات. ثم يقومون بحل نماذج من المسائل المطروحة في المقرر على السبورة ويكلفون الطلبة بعمل تطبيقي. وأخيرا يقومون بتوزيع تعليمات مكتوبة على طلبتهم، وهذه التعليمات مفصلة خطوة فخطوة وذلك من أجل إجراء تجربة مختبرية شاهدة controlled والتي يفترض أن يعرف الطلبة نتائجها مسبقا.

 وبعد أكثر من ثلاثين عاما من البحث العلمي المعرفي والتجريبي في الصفوف، تبين وجود عيوب حقيقية في هذه الطريقة. والسبب الأساسي في ذلك يعود إلى أن الأطفال، عندما يواجَهون بمعلومات جديدة، فإنهم يقيمون روابط بينها تختلف عما يقوم به الكبار. فعندما نخبر الطفل أن «الكثافة هي حاصل قسمة الكتلة على الحجم،» فإنه يحاول مباشرة أن يربط هذه العبارة بما لديه من خبرات: فكلمة «كتلة» mass ترتبط في ذهنه بحضور قداس يوم الأحد؛ و«حجم» volume بمفتاح الصوت في المذياع (الراديو)؛ و«كثافة» dense بعبارة تقريع سمعها من أقرانه.

 وكثيرا ما يشعر الطفل بالإحباط نتيجة لمثل هذه الاختلافات. ونعلم الآن أن الأسلوب الأفضل لتعليم العلوم هو ما يُدعى بدورة التعلم learning cycle. وهذه أيضا تتم بثلاث خطوات: لكن هنا تأتي التجربة أولا، حيث يشجع الطلبة على استكشاف الظاهرة بالطريقة التي يريدونها. ثم يقوم المعلم بمساعدة طلبته على إيجاد أنماط patterns في البيانات وكذلك على وضع فرضيات ـ تماما كما يفعل العلماء ـ حول القواعد التي تحكم هذه الأنماط. وعندئذ فقط يضع المعلم التسميات والتعريفات لما لاحظه الطلبة واكتشفوه. والخطوة الأخيرة الحاسمة هي تطبيق المعرفة من خلال رحلات حقلية وإجراء مزيد من التجارب، وحل أو معالجة مسائل ومشكلات حقيقية إلى جانب القراءات والوسائل الأخرى التي تساعد على ربط المعرفة الجديدة بما شاهده الطلبة في الحياة الواقعية.

 وقد بينت دراسات عديدة أن الطلبة الذين يتم تعليمهم وفق هذا الأسلوب يحتفظون بقدر أكبر مما تعلموه ويندفعون بحماسة أشد لتعلم العلوم ويؤدون مهامهم على نحو أكثر منطقية ويحلون المسائل العلمية الواقعية على نحو أكثر خبرة ومهارة.

2 - ضرورة التركيز على منهاج المدرسة الثانوية.

 وهذا ما أكده المنسق الوطني الأمريكي للدراسة الدولية، إذ يقول: لقد أكدت نتائج الدراسة الدولية الثالثة (TIMSS) على انتقاد وجه منذ زمن بعيد إلى منهاج المدارس الأمريكية الذي وصف بأنه منهاج واسع الطيف قليل العمق(23) . وباستثناءات قليلة، فإن المدارس الأمريكية تحاول تغطية موضوعات أكثر مما تفعله المدارس في الدول الأخرى. فالمدرسون في الولايات المتحدة غالبا ما يعيدون المعلومات نفسها بين صف وآخر وقد يتعمقون بعض الشيء في المادة العلمية أو لا يتعمقون. إن تعليم العلوم يمكن أن يتحسن إذا ما تم التركيز على تدريس عدد أقل من المفاهيم الأساسية، الأمر الذي يتيح المجال أمام الطلبة للقيام بمشروعات طويلة الأجل تعمق فهمهم لدور العلوم خارج المختبر.

 فمثلا، قام طلبة علم الأحياء بإحدى المدارس الثانوية في شبه جزيرة سان فرانسيسكو بدراسة مسحية لأنواع النباتات والحيوانات الموجودة في المستنقعات والتي غيرت مناطق وجودها. لقد كان على الطلبة صياغة أسئلتهم بعد استشارة المسؤولين المحليين ووضع استراتيجية البحث وإجراء الاستقصاءات وجمع البيانات وتحليلها وتقديم نتائج دراستهم إلى مجلس المدينة. وبهذه العملية تعرّف الطلبة كائنات حية (متعضيات) كثيرة وعرفوا الكثير عن حياتها ومدى تحملها العيش في أوكار بيئية مختلفة وأشياء أخرى كثيرة. وقد اتضح أن تعلم هؤلاء الطلبة بهذه الطريقة كان أعمق بكثير مما لو اقتصر على الكتب المدرسية المقررة والمحاضرات.

 يرى معظم الخبراء أن البحث في مواضيع تتركز على عالم الواقع الذي يسمح للطلبة باختبار نظرياتهم، هو أفضل أسلوب لتعليم العلوم. هذا وتعرض «المعايير الوطنية لتعليم العلوم»(24) مجموعة من الأفكار والحقائق المحورية التي يمكن لكل طفل أن يتعلمها ويجب أن يتعلمها، وذلك حسبما أسفرت عنه غالبية الأبحاث التي استغرقت سنوات من المناقشة بين الباحثين والمدرسين والجمهور. وقد اعتمدت بعض الولايات والمناطق التعليمية اعتمادا شديدا على هذه المعايير في تصميم مناهجها ولا بد للبقية أن تحذو حذوها.

3- ضرورة انتقاء الكتب المقررة للرياضيات وفق معايير دقيقة.

 إن تقرير الكتاب المدرسي المناسب هو من أكثر القرارات المهنية المهمة التي يتخذها مدرسو الرياضيات بل ويمكن أن تكون من أكثرها صعوبة أيضا. فكتب الرياضيات المعروضة للبيع في الولايات المتحدة غالبا ما تكون واسعة جدا وفيها تكرار كثير وتركز بشدة على عبارات وعمليات حسابية، الأمر الذي يؤدي إلى فشل أطفال كثيرين في استيعابهم للمفاهيم الرياضياتية الأكثر استخداما في حياة البالغين. ويردّ ذلك إلى أنه كثيرا ما يتم اختيار كتب الرياضيات لجمال مظهرها وتلبيتها قوائم مراجعة سطحية superficial checklists.

 كما أن مفاضلة أعمق بين الكتب المعروضة تتطلب توفير مزيد من المخصصات المالية والوقت والخبرات الخاصة. ولكن الآن هناك تقارير المستهلك(26) consumer report لكتب الرياضيات المدرسية، وعلى المدارس أن تستفيد منها. هذا وقد حلل المشروع رقم 2061 بدقة محتوى ونوعية المادة العلمية في أكثر من دستة من كتب الرياضيات للمرحلة المتوسطة. ولم تقدر عاليا سوى أربعة منها.

 إن المدارس الأمريكية تميل أكثر من مدارس الدول الأخرى نحو فصل الأطفال إلى مجموعات صفية: متقدم وعادي وضعيف، وخاصة في مادتي الرياضيات والعلوم، وذلك بالاستناد، في بعض الأحيان، إلى اختبارات معيارية أغلبها غير مناسب. ومعظم المدارس الابتدائية تعلم مواد تختلف من مجموعة من التلاميذ إلى أخرى، ولو لجزء من اليوم المدرسي. وهذه الممارسة أشد وضوحا في المدارس الثانوية. وإحدى نتائج ذلك أن أقل بقليل من ربع عدد طلبة المدارس الثانوية الأمريكية لا يتلقون معلومات ذات شأن في الفيزياء.

 في عام 1999، نشر مجلس البحث الوطني NRC تقريرا عرضتُ فيه مع آخرين شواهد بينة ومقنعة بأنه لا يتم في الصفوف ذات المستوى الضعيف التوكيدُ كفاية على المستوى المعرفي الأعلى ولا على مهارات التفكير المرتبطة ارتباطا وثيقا بالنجاح المستقبلي لطلبة تلك الصفوف. ومع أن الصفوف العلاجية يفترض فيها نظريا أنها تساعد الطلبة ذوي المستوى الضعيف على تدارك ضعفهم إلا أن الواقع العملي وما بينته الدراسات، يكشف عن ضعف مناهج صفوف طلبة المستوى الضعيف، وتدني كفاءة معلميهم، وهكذا يزداد مع الزمن التباين بين طلبة صفوف المستوى العالي وطلبة صفوف المستوى الضعيف.

 يجب الاهتمام بتقييم الأداء دون الاهتمام باسترجاع المعلومات. وهذا ما أكده رئيس لجنة الأكاديمية الوطنية للعلوم الخاصة بتعلم العلوم، ويقول: إن مقررات العلوم تنحو إلى التوكيد على تذكر معلومات مفردة(27) ، مع قليل من الاهتمام بعمق الفهم لمبادئ العلوم والطرائق العلمية. وقد فاقم المشكلة موجة الاختبارات التي تُجرى على مستوى الولاية كأسلوب لتقييم المدارس، وذلك كما فعلت الدراسة العالمية الثالثة للرياضيات والعلوم TIMSS. ومن الثابت تماما أنه إذا كانت للاختبارات المذكورة عواقب على المعلمين، فإن هؤلاء سيلتزمون في تعليمهم بهذه الاختبارات.

 وبدلا من ذلك فإن تقييم الطلبة يجب أن يكون تبعا لأدائهم للواجبات المتوافقة وأهداف المنهاج. كذلك يمكن للمدارس منح الطلبة درجات على التقارير التي يكلفون بإعدادها وعلى عروضهم الدراسية(28) والتجارب التي يقومون بها، وذلك طبقا لما تحققه هذه الجوانب من أهداف المقرر(29) الدراسي.

 وتشير الدلائل إلى أن الامتحانات وحدها لا تساعد الطلبة على فهم العلوم على نحو أفضل؛ وإن بعضها يعيق التحصيل الدراسي. وهناك أنواع أخرى من الاختبارات تساعد على تحسين التعلم. لقد وجدت عدة مدارس أمريكية(30) أنه عندما يعطي المعلمون طلبتهم تغذية راجعة(31) متكررة ـ على شكل محادثات وليس على شكل اختبارات قصيرة(32) ـ فإن الطلبة يصبحون أقدر على الحكم على مدى تحصيلهم الدراسي وتحصيل زملائهم. فإذا كان الطلبة على بصيرة بالنسبة إلى ما عليهم تعلمه وما عليهم استيعابه، فإن تعلمهم يتحسن بسرعة أكبر كمّا وكيفا.

 يجب أن يستند تعليم العلوم إلى ما لدى الطلبة من مفاهيم علمية سابقة. وهذا ما يؤكده مدير المركز الوطني في وست إند لتحسين تعليم العلوم، ويقول:

 لا يأتي الطلبة إلى الصف الدراسي لمقرر علمي خالية أذهانهم، بل لديهم أفكار ثابتة بقوة حول الكيفية التي تعمل بها الطبيعة. فمثلا، كثير منهم يعتقدون أن بعض المواد (كالصوف) هي دافئة ذاتيا في حين أن مواد أخرى كالفلزات(33) هي باردة بطبيعتها؛ ومثل هذه المفاهيم الخاطئة يتمسك بها الطلبة حتى عند التعلم المنهجي للعلوم. فقد بينت إحدى الدراسات أنه عند سؤال الطلبة عن سبب وجود الفصول الأربعة، أجاب عدد كبير من الطلبة المتقدمين بجامعة هارڤرد أن الأرض تكون في الصيف أقرب إلى الشمس منها في الشتاء.

 ومع أن كتب العلوم المدرسية غالبا ما تدعي بأنها تراعي ما سبق أن تعلمه الطلبة إلا أنها في واقع الأمر لا تفعل إلا القليل في هذا المضمار وبشكل سطحي إن فعلت. وتوجد حاليا استراتيجيات للتعامل مع المفاهيم الخاطئة.

 والخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي أن تتيح للطلبة عرض ما يعتقدونه. ويمكن للمعلمين بعدئذ استخدام بعض أفكار طلبتهم كنقاط انطلاق لتجارب تبيّن من خلال مناقشتها معهم، لماذا قد تكون التفسيرات العلمية المقبولة أفضل.

 لقد تبين في دراسة مقارنة أن تلاميذ الصف السادس(35) عندما طبقت عليهم هذه الطريقة في التعليم، كان أداؤهم أفضل في استيعاب مفاهيم المسائل الفيزيائية من طلبة صفي الحادي عشر والثاني عشر ممن تعلموا في النظام المدرسي نفسه ولكن بطريقة تقليدية. لقد لاقت محاولات تطوير أخرى نجاحات مماثلة، وبخاصة حين امتلك المعلمون وبشكل واضح فهما عميقا للمواد التي يقومون بتدريسها. وتتوافر حاليا برامج حاسوبية يطلق عليها المشخص Diagnoser. تعرض (هذه البرامج) ما يعتقده الطلبة عن بعض الظواهر الفيزيائية وتقترح فعاليات تساعدهم على تنمية حدس أدق حول تلك الظواهر.

                   المؤلفان: W.wayt Gibbs -Douglas Fox   

إضاءة:كلاهما يعيشان في سان فرانسيسكو. گيبس كاتب متقدم من كتاب ساينتفيك أمريكان. فوكس كاتب مستقل في الحقل العلمي. ويمكن الحصول على نسخة موسعة من هذه المقالة من موقع ساينتفيك أمريكان على الوِب:www.sciam.com. 

أضف تعليق


كود امني
تحديث