"ما جدوى المدرسة؟" هو عنوان المناظرة التي جمعت عالم التربية "فيليب ميريو"، أحد أبرز الوجوه العلمية في فرنسا، المعروف بدفاعه عن الدور المركزي للمدرسة العمومية في مناهضة التّفاوت، وبين "آن كوفينييه"، خريجة المدرسة العليا للإدارة والمديرة العامّة لمؤسّسة من أجل المدرسة، التي تدافع عن المدارس" خارج العقيدة" (مؤسسات خاصّة غير خاضعة للدولة تتمتّع بنوع من الحرّية فيما يخصّ البرامج والمناهج الدّراسية).

حاجات المدرسة:

* فليب ميريو: تتميّز مجتمعاتنا في الوقت الحالي بصعود الفرد، الحرّ في اختياراته، القادر على تقرير مصيره الشّخصي، من دون المعيقات أو الأفكار الجامدة التي كانت كبّلت المجتمعات في الماضي. وقد أصبح الرّهان، أمام تصاعد الفردانية نتيجة ما تقدّم، هو بناء المشترك، ووضع مشروع جماعي. الحاجة الأولى التي ينبغي أن تستجيب لها المدرسة هي أن تسمح للأطفال بأن يفكّروا هم بأنفسهم، وأن يجرؤوا على التحرّر من العقائد الجامدة ومن القيود، ومن نظريات المؤامرة شأن الشعارات الإشهارية أو السياسية، من أجل فهم العالم من حولهم، كما ينبغي أن تسمح المدرسة ببناء المشترك والجماعي من خلال إتاحة اللقاء، من دون أن تقنع بأن ترى هذا المشترك المتشظي إلى فرق متعدّدة عاجزة عن التعاون في جماعة.

* آن كو فينييه: يجب على المدرسة أن تكون حريصة على العيش المشترك ضمن جماعة. ولكن لا ينبغي أن نكون مهووسين بفكرة التنشئة الاجتماعية، وبالمدرسة كبوتقة وطنية، وبالفكرة التي تتمثّل في قولبة الجميع وفق النّمط نفسه، والبنية نفسها، والبرنامج نفسه، والممارسات نفسها.

إنّ المدرسة يمكن أن تبني الجماعي، في الوقت الذي نختلف فيه عن أنفسنا، في الأساس، اختلافاً كثيراً ( الآفاق الأسرية، رأس المال الثقافي، إلخ...). أليس من الأفضل أن نكون واقعيين؟ تقودنا مقاربة أكثر بساطة، تنطلق من احتياجات كلّ طفل على حدة، إلى التّفكير بأن تكون لنا مدارس متنوّعة، لأنّه، وعلى وجه التّخصيص، لدينا أطفال متنوّعون، ولأنّ المجتمع هو بحاجة إلى هذا التنوّع، وإلى هذه الاختلافات.

المدرسة في وجه الاختلاف:

* فليب ميريو: إنّه من الضروري أن نأخذ في الحسبان غيرية الأطفال واختلافهم عن بعضهم البعض. ولهذا السّبب تأسّس التزامي البيداغوجي على مفهوم البيداغوجية الفارقية.

فأمام الاختلافات، يبرز أمامنا اختياران، إمّا أن نعتبر تعدّد الأطفال بمثابة ثراء، فنرى أنّ الاختلافات في حضن المدرسة تملك الشرعية في أن تصبح أداة للتّربية على احترام الآخر من خلال اللقاء والتّشارك. وإمّا أن نقول إنّ هذه الاختلافات يتوجّب أن تتجسّد من خلال اختيارات المدرسة، أو اختيارات الفصل الدّراسي، أو اختيارات البيداغوجيا، مع خطورة أن يخلق هذا البحث الممنهج عن الجزر الصّغيرة مجموعات منسجمة، وتصنيفات اجتماعية وبيفردية.

* آن كو فينييه: نعترف نحن الاثنين أنّ هناك اختلافا في الحاجيات في الوسط المدرسي، ولكنّني متشكّكة في كون الحلّ يوجد في داخل أسوار المدرسة، لأنّها مؤسّسة ممركزة، وفئوية، لديها مشكل حقيقي مع التجريبية، وحرّية الفاعلين التربويين، وحتى حرّية التكيّف مع الاختلافات الفارقية الموجودة بين التلاميذ. والأبحاث الدّولية تبيّن أنّ لدينا، في فرنسا، مشاكل جدّية فيما يتعلّق بتقليص الفوارق، رغم الخطب العصماء حول تكافؤ الفرص.

يعتقد فيليب ميريو أنّ الأشخاص في مدارسنا يوجدون في حالة تقوقع على الذات للتهرّب من اللقاء بالآخر. والواقع أنّ تسعاً وستين بالمئة من أصل 1400 مؤسّسة مدرسية التي نمثّلها هي مؤسّسات غير دينية، ومن بين المؤسّسات المدرسية، التي رأت النّور هذه السّنة، هناك ثلاث وثلاثون بالمئة منها مدارس ديموقراطية، وأنّ عشراً بالمئة هي لفئات اجتماعية خاصّة، وأنّ ستاً بالمئة هي ذات بيداغوجيا علنية، وأيضاً اثنتا عشرة بالمئة من هذه المدارس هي مدارس مزدوجة اللّغة، وجهويّة، ودولية. لا يوجد منطق للبلقنة.

دور الأسرة والدّولة في التربية:

* فليب ميريو: تأسّست المدرسة الفرنسية على الرّغبة في إعطاء الأولوية لتكافؤ الفرص على حساب الامتيازات المتوالية، وإعطاء الأولوية للعقل على حساب الخرافة، وإعطاء الأولوية للجماعي على حساب الفردي. وهذا لم يكلّل بالنجاح دائما, ولكن المدرسة التي تناضل من أجلها المؤسّسة، تتأسّس على فكرة مفادها أنّ الأسرة دون غيرها تتمتّع بحقّ التّشريع في الشأن التربوي\ز وهذه المؤسّسات تخضع لمراقبة وتوجيه الأسر, ونحن في خضمّ التّيّار المنتصر للأسرة، التابع تقليديا لليمين الدّولي، والذي يعتبر أنّ الدّولة يجب أن تكتفي بالدّور السيادي.

أعتقد أنّ التربية هي القطيعة مع الأسرة، ليست قطيعة فجائية، ولكن كما يقول الفيلسوف "ألان Alain" القدرة على اكتشاف أنّ هناك أسراً أخرى غير أسرتي تفكّر بطريقة مختلفة عن تفكير والديّ. يحتاج الطفل في لحظة من اللحظات إلى التعرّف على مؤسّسات أخرى، أقلّ عدداً، تركّز أكثر على نقل العقلانية والحقيقة.

* آن كو فينييه: حركية المدارس المستقلّة لا تتلاءم مع الحضور الأسري، ولا مع فكرة مدرسة منزلية، في "ملكية الأسرة". إنّ البريطانيين يعتبرون أنّ الكفل بحاجة إل فهم المشترك عبر بنية تكون في مستواه. فدور المدرسة هو إدماج الطفل في المدينة (la cité). وقبل أن يصبح الطفل مواطنا، سيكون مواطنا صغيراً في مدرسة هي مدينة صغيرة سيمارس في حضنها مسؤوليات، ويتعاقد حول قيم، وحول فضائل وعادات.

إنّ المدرسة يجب أن تكون هذا "المجتمع الصّغير" بضوابط سهلة. يطرح القانون الدولي والقانون الأوربي المبدأ الذي يرى أنّ الطفل ليس مِلكاً للأسرة، ولكنّه يربط بقراراتها ما دام قاصراً، وأنّ الدولة لا تحلّ محلّ الأسرة، إلّا في حالة وجود مانع أو عجز. والفكرة المتوارثة من الثورة الفرنسية ومن عصر الأنوار، والتي ترى أنّ الطفل ينبغي أن يُخلّص من تحكّم الأسرة، والدين، والمجتمع من خلال المدرسة، لا تتلاءم مع انتظارات المجتمع. إنّ مصلحة الطفل أن تفتح المدرسة أمامه آفاقاً أخرى من دون أن تجعله معادياً وغريباً عن أصله الذي ينغـرس فيه.

                                                              ترجمة: طارق غزماوي

أضف تعليق


كود امني
تحديث