1- الانفصال والاتصال: المعنى و القيمة:
 نعني فلسفيا بكلمة الانفصال، مفهوما عمليا، وليس مجردا، يمتد، ويعبر عن حدث الحركة النوعية في الاتجاه المقابل لحركة الاتصال، كمفهوم مضاد، ثابت يراهن أصحابه على فعله الصوري، كحدث مستقبل ومقاوِم للحركة الأولى في وجودها العملي، والعكس صحيح أيضا.
 
 لهذا، ففعلا الانفصال و الاتصال هنا بمثابة جدلية تشكل هوية متكاملة، لا وجود لفعلها الأول دون وجود فعلها الثاني، كحركات موج البحر تماما.
 
 لكن، حين نتحدث عن مفهوم الانفصال ضدّ الاتصال، كفعل فارغ من قابلية العمل، في سياق امتدادهما في حياة البشر، لابد هنا من استحضار عنصر آخر لا يقل قيمة و أهمية عن دلالتهما المرتبطة بمعناهما كأحداث مؤثرة. نقصد ارتباطهما الضروري والطبيعي بشروط الوضع البشري والحياة الاجتماعية، نصيغ هذا الارتباط هنا على شكل أسئلة، من قبيل:
 
 الانفصال عن ماذا ؟ و الاتصال بماذا ؟ نتحدث طبعا في هذا الحال، عن عنصر الواقع الاجتماعي كطبيعة حسية ومتغيرة، ليس بمعناه الثابت و المتسق و المنظم، وفق رغبة سلطة المتحكم المُهيمِن، إنما بمعناه المتحرك، المتموج والمتفاعل الذي يقوم وجوده كواقع متحول، على أساس وجود فعل الصراع المُؤسِّس لمعنى الحياة و الإنسان بالعقل الفلسفي، انطلاقا من تأمل صرح حدث التناقض، والتعايش مع فعل التاريخ باختلافاته، وكذلك على أساس الأحداث الحية في المجتمع.
 
2- الذات و الموضوع: الفعل و الانفعال:
هكذا، يكون استخدامنا لمفهومي الاتصال والانفصال مبنيا على أساس واقع مختلف ومتعدد، اجتماعي وإنساني، يتسم بدرجة عالية من منسوب الشرعية التاريخية، والمصداقية المبدئية التي تضفيها الذات الفاعلة في الميدان، كتجليات حياة الناس في شروط الهامش الاجتماعي، على موضوع سلطة الفعل المضاد.
 
 أي، على طبيعة الواقع المحيط بها، كذات نقدية مُقاومة، ترنو إلى تحقيق فعل الاتصال المؤسس لقيمة الإنسان والحياة، من جهة، بمعنى، تأهيل وبناء واقع "أنسنة" الحياة، بدل واقع "سلعنتها" الذي تراهن عليه قوى الظلام المتخلف، والذات المنفعلة الهادفة إلى بسط هيمنة سلطة المركز. ومن جهة أخرى، تحقيق فعل الانفصال العملي عن واقع التفاهة، الذي بات يمتلك القدرة الهائلة على الامتداد والاكتساح الصامت، بدعم عبيد التقنية، من خلال منظريه ومفكريه، وقواه المنفعلة التابعة، المفرغة من محتواها النقدي، والمستعملة كأدوات غير واعية وناجعة، على جميع مستويات الحياة. ومن تمّ، أصبحت التفاهة هنا، وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية المعاصرة بالذات، واقعا يفكر وينتج عالمه القيمي المنحط بمهارة كبيرة، وبتزكية المجتمع والنظام الدولي.
 
 في المقابل، ما فتئ الواقع النقدي المضاد، الذي هو صوت قوى التقدم، والتحديث و الدمقرطة و الأنسنة، فكرا منتجا لقيم الحياة في الأرض، مجادلا ومقاوما لكل مظاهر تفاهة الفكر و "سلعنة" الإنسان.
 
3- نسق التعليم كموضوع للتفكير الفلسفي العملي:
 حين تتعامل الدولة بطريقة أفقية مع قطاع التعليم كغاية في حد ذاته، من خلال منظور سياستها العملية كقطاع منتج للقيم، وللفرد كإنسان، وليس بطريقة عمودية، باعتبارها فضاء شبيه بمقاولة، أو سوق للمنتوجات العالمية، تمّ تدشينها لترويج سلع الشركات المُهيمِنة، آنذاك يمكننا هنا فقط، أن نتحدث عن تعليم مغربي ذي حس وطني رفيع المستوى، حي وجيد، بعيد كل البعد عن شعار الإصلاحات المزيفة و المقنعة، التي لا يعني لها مفهوم الإصلاح سوى ربح رهان المزيد من الوقت.
 
 إن إصلاح التعليم بالنسبة لنا، كموضوع للتفكير بالمعنى العملي، يقتضي أن يحترم نفسه، وتقوده دولة اجتماعية حديثة، في مجتمع ديمقراطي ماض بكل جرأته التاريخية، في تحولاته النوعية التي تكمل فيها الذات موضوعها، وتؤمن حقيقة بالاجتهاد والتجديد والتقدم، وخاصة، يؤمن بما هو إنساني في الإنسان.
 
 من هنا، نقرأ فعلي الانفصال والاتصال في الجسد التعليمي بالمغرب المعاصر، في بعده الاجتماعي والإنساني الذي يجعل فيه العنصر البشري، قوة فاعلة، وليس منفعلة، وحاملة للقيم الإيجابية كتاريخ محلي وحضارة إنسانية، وليس كأداة لإعادة إنتاج الوضع الاجتماعي الطبقي السائد، بمعناه الثابت الاستهلاكي. يعني، المراد هنا هو اعتبار التعليم جسرا حقيقيا نحو التطور والتقدم الاجتماعي، بالتعامل معه كسلسلة متصلة الحلقات، وليس منفصلة، بما هو حضاري وثقافي مغربي عريق، نفيس ومتعالي عن واقع "السلعة" المشؤوم، لابد أن يؤدي، إذا تحقق ما نتمناه، إلى تطور المجتمع، ورقي الأفراد، وكذلك لابد أن يقود إلى التنمية الوطنية المستدامة بمعناها الإقتصادي والاجتماعي المبدع في نهاية المطاف.
 
بقلم : محمد بقوح

أضف تعليق


كود امني
تحديث