"هيراقليطس" الفيلسوف الإغريقي الذي عاش قبل خمسمئة عام من الميلاد تعود العبارة: "بحثتُ ذلك بنفسي"، وكان يقولها ليؤكد أن ما يقوله من أحكام واستنتاجات هو حصيلة بحثه الخاص، وأنه لم يأخذ بما قاله الأولون، ولا حتى المعاصرون له، فهو لا يركن لما يعدّ بديهيات أو مسلّمات قارّة في أذهان الناس، وإنما هدفه البحث عن الحقيقة، الذي يتطلب أن توضع موضع المساءلة كافة الأحكام.
 
ما أحوجنا للبحث بأنفسنا عن الأمور، بأن نتقصاها ونفحصها، وأن يكف حديثنا عن البدء بمفردات من نوع: "لا بد"، و"مما لا شك فيه"، و"من المؤكد أن"، و"من الثابت أن"، و"لا يختلف اثنان على أن"، أو بكلمات من نوع: "ينبغي"، و"يجب"، و"من الضروري" .
 
من الذي يجزم أن ما نعتبره مؤكداً هو كذلك، ومن يحسم أن ما نعتبره من الأمور التي لا شك فيها كذلك، ولسنا في حاجة لبذل جهد كبير لملاحظة ذلك. تكفي نظرة على خطابنا المكتوب، نظرة سريعة جداً لنخرج بحصيلة وافرة من هذه المفردات، سواء في مطالع الكلام أو في خواتمه أو بين ثناياه . يقال إن الشك، لا اليقين، هو طريق الحقيقة، وينسب إلى الشاعر أدونيس قولٌ مفاده: "ليست المعرفة هي ما يستهويني إنما الطريق إليها"، ولكن من النادر أن نجد عبارات أو مفردات تحتمل الشك من نوع: "ربما"، و"من الجائز"، و"من المحتمل".
 
لو دقق المرء في أمر استخدام هذا النوع من المصطلحات الجازمة، لوجد أن باعثه مستقر في العقل الباطن تعبيراً عن حقيقة أننا، وبنسبٍ تزيد أو تقل نتاج ثقافة اليقين . ونعني باليقين هذا الشعور بأن ما نراه أو نفكر فيه هو الحقيقة المطلقة، لأنك حين تقول: "إنه لا يختلف اثنان على أن..." إلخ، تكون قد جزمت بأنه ليس من حق الثاني، أو الآخر - حسب التعبير الشائع - أن يختلف معك، لأنك تكون قد قررت سلفاً أن ما تقوله هو الحق، ولا شيء غير الحق .
 
ولأننا بدأنا الحديث بهيراقليطس، فإننا نختم بقوله الشهير أيضاً: "لا يمكن ولوج النهر نفسه مرتين"، الذي يحرضنا على نبذ البداهة، فالماء الذي لامس أجسادنا في المرة الأولى ليس هو نفسه الذي سيلامسها في المرة التالية. إنها ذاتها سيرة المعرفة المتجددة، غير القارّة على حال، التي تتطلب "أن نبحثها بأنفسنا" في سيرورة لا تنتهي.
بقلم: حسن مدن